عثمان بن جني ( ابن جني )

375

سر صناعة الإعراب

وحكي لنا عن الأصمعي أو أبي زيد « 1 » أنهم يقولون : « رجل ويلمّة » للداهية ، فاشتقوا وصفا من قولهم « ويلمّه » وأصله « ويل لأمّه » وهذا كثير . وكذلك أيضا اشتقوا « لبّيت » من لفظ « لبّيك » فجاءوا في « لبّيت » بالياء التي هي للتثنية في « لبّيك » ، وهذا على قول سيبويه « 2 » ، فأما يونس « 3 » فزعم أن « لبّيك » اسم مفرد ، وأصله عنده « لبّب » ووزنه « فعلل » ولا يجوز أن تحمله على « فعّل » لقلة « فعّل » في الكلام وكثرة « فعلل » فقلبت الباء التي هي اللام الثانية من « لبّب » ياء هربا من التضعيف ، فصار « لبّي » ثم أبدلت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، فصارت « لبّى » ثم إنها لما وصلت بالكاف في « لبّيك » وبالهاء في « لبّيه » نحو ما أنشدناه أبو علي « 4 » : إنك لو دعوتني ودوني * زوراء ذات منزع بيون لقلت : لبّيه لمن يدعوني « 5 » قلبت الألف ياء كما قلبت في « إلى » و « على » و « لدى » إذا وصلتها بالضمير ، فقلت : إليك ، وعليك ، ولديك . ووجه الشبه بينهما أن « لبّيك » اسم ليس له تصرف غيره من الأسماء لأنه لا يكون إلا منصوبا ، ولا يكون إلا مضافا ، كما أن « إليك » و « عليك » و « لديك » لا تكون إلا منصوبة المواضع ملازمة للإضافة ، فقلبوا ألفه ياء ، فقالوا « لبّيك » كما قالوا « عليك » و « إليك » و « لديك » .

--> ( 1 ) حكاها أبو زيد في النوادر ( ص 583 ) . ( 2 ) الكتاب ( 1 / 175 ، 176 ) . ( 3 ) الكتاب ( 1 / 176 ) . ( 4 ) ذكره صاحب اللسان في مادة ( لبب ) ( 1 / 731 ) دون أن ينسبه ، وذكره ابن عقيل ( 2 / 52 ) . ( 5 ) زوراء : الأرض بعيدة الأطراف . منزع : هو الموضع الذي يصعد فيه الدلو إذا نزع من البئر . بيون : البئر الواسعة الرأس الضيقة الأسفل . اللسان ( 13 / 64 ) مادة / بين . يقول : إنك لو ناديتني وبيننا أرض بعيدة الأطراف ، واسعة الأرجاء ، ذات ماء بعيد الغور لأجبتك إجابة بعد إجابة . والشاهد فيه ( لبيه ) حيث أضاف لبى إلى ضمير الغائب . وهذا شاذ . انظر / شرح ابن عقيل ( 2 / 53 ) .